وهبة الزحيلي
59
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
3 - فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً ، كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ أي إن أتباع الأنبياء فرقوا أمر دينهم وقطعوه ومزقوه ، وجعلوه قطعا ، وصاروا فرقا وأحزابا وجماعات ، كل حزب يفرحون بما هم فيه من الضلال ، ويعجبون بما هم عليه ، معتقدين أنه الحق الصراح ، ويحسبون أنهم مهتدون . وهذا ذم واضح للتفرق والتشتت ، وتوبيخ ووعيد ، لذا قال اللّه تعالى متهددا لهم ومتوعدا : فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ أي دعهم واتركهم في جهالتهم وضلالهم إلى حين موتهم أو قتلهم ورؤيتهم مقدمات العذاب وبوادره ، كما قال تعالى : فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ ، أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [ الطارق 86 / 17 ] ، وقال سبحانه : ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا ، وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [ الحجر 15 / 3 ] . 4 - أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ، نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ ، بَلْ لا يَشْعُرُونَ أي أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد ، لكرامتهم علينا ، ومعزتهم عندنا ؟ كلا ، ليس الأمر كما يزعمون في قولهم : نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [ سبأ 34 / 35 ] . لقد أخطئوا في ذلك ، وخاب رجاؤهم ، بل إنما نفعل ذلك استدراجا وإنظارا وإملاء لهم ، لهذا قال تعالى : بَلْ لا يَشْعُرُونَ أي لا يحسون أنما نفعل ذلك بهم استدراجا وأخذا بأيديهم إلى العذاب إذا لم يتوبوا ، كما قال تعالى : فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ ، إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [ التوبة 9 / 55 ] ، وقال سبحانه : إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً [ آل عمران 3 / 178 ] ، وقال عزّ وجلّ : فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ ، سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ، وَأُمْلِي لَهُمْ ، إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [ القلم 68 / 44 - 45 ] . قال قتادة في قوله تعالى : أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ . . الآية : مكر واللّه